حيدر حب الله
96
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
آيات أخرى أنه ليس من المفترض بالمؤمن أن يعيش همّ عدم اهتداء الناس ويذيب نفسه بسبب وجود الضلال ولو سمّى ذلك تحرّقاً على الدين وغيرةً عليه ، بل المطلوب القيام بالواجب الدعوى فإن اهتدى الناس فهذا من الخير الذي رزقهم الله إياه ، وإن ضلّوا ولم يسمعوا لقوله ؛ فلا يُحرق أعصابه ويذيب جسده ويحمل همّه ويعيش غمّه ، بل يكمل حياته بطريق طبيعي ، ليس لأنه لا يغار على الدين ولا يتحمّس له أو أنه غير مبالٍ بأمره ، بل لأنه يقوم بوظيفته ببرودة أعصاب ، فيجمع بين هذه البرودة وبين القيام بواجبه الديني في هداية الناس وأمرهم ونهيهم . وقد أدّب الله نبيه مراراً بهذا الأدب ؛ فقال تعالى : ( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) ( الكهف : 6 ) ؛ وقال سبحانه : ( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) ( الشعراء : 3 - 4 ) ، فهذه الآية تحذّر النبي من أن يتلف أعصابه وذاته لأجلهم ؛ فما دمت تؤدي واجبك في هدايتهم ، فلا يهمّك بعد هذا أمرهم ، وإنما المطلوب أن تكون حاملًا لعذرك أمام الله في أعمال نفسك ؛ ولهذا يلاحظ في مطلع سورة الشعراء أنّ القرآن أعقب تحذيره للنبي بأن الله لو أراد أن ينفَعِلَ مثلَك أو يغضب أو يذهب بنفسه لنزّل عليهم آيةً من السماء وحسم الأمور ، لكن لأنّ السياسة الإلهية مع الناس مختلفة ، لهذا لا تجد مثل ذلك ، بل تجد الإمهال دون الإهمال . وقال تعالى أيضاً : ( أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) ( فاطر : 8 ) ؛ فالهداية بيد الله وليست بيدنا نحن ؛ لهذا فالمطلوب أداء الواجب دون حاجة إلى إذهاب النفس بالحسرة والهمّ والغم من عدم هدايتهم ؛ ولهذا قال تعالى : ( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) ( النحل : 37 ) . . وهذه هي قمّة التوكل على الله وربط الأمور بالقوانين التي وضعها الله في